سعيد حوي
1975
الأساس في التفسير
وموسى عليه السلام لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به ، وفرعون يعلم ذلك . وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم . ثم ادعى أن سبب هذا التآمر أن السحرة - بالتعاون مع موسى - يريدون أن يصلوا إلى الدولة والسلطان ، ويسلبوها من الأكابر والرؤساء - أي منه ومن أعوانه - وبناء عليه فإنه سيقطع أيديهم وأرجلهم ، من كل واحد منهم يدا ورجلا ، متعاكستين يمينا بشمال أو شمالا بيمين ، وأنه سيصلبهم جميعا ، فكان أن أعلنوا أنهم قد تحققوا أنهم راجعون إلى الله ، وأن عذاب الله أشد من عذاب فرعون ونكاله ، وأنهم سيصبرون على عذاب فرعون ليتخلصوا من عذاب الله ، ثم دعوا الله تعالى أن يعمهم بالصبر على دينه والثبات عليه ، وأن يقبضهم إليه مسلمين متابعين لرسوله عليه السلام ، فكانوا في أول النهار سحرة فصاروا في آخره شهداء بررة . وبعد هذه الجولة الخاسرة مع موسى عليه السلام ، وبدلا من أن يؤمن فرعون وملؤه بعد تسليم أهل الاختصاص بالسحر أن موسى رسول الله وليس بساحر ، يذكر لنا الله - عزّ وجل - ما تآمر به فرعون وقومه ، وما تمالئوا به على موسى ، وما أضمروه له ولقومه من الأذى والبغضة ، إذ يقص علينا أن حاشية فرعون حرضت فرعون على موسى . وما هو بحاجة إلى تحريض ، ولكنه نفاق البطانة ، ومسارعتها إلى إرضاء نفس الحاكم ، مدعية أن موسى وقومه مفسدون في الأرض ، إذ هم تاركون لآلهة فرعون ، عابدون غيرها داعون لعبادة الله رب العالمين . وهكذا الشأن دائما أن المفسدين الحقيقيين يسمون المصلحين الحقيقيين بالإفساد ، وهنا أعلن فرعون قراره بإحياء سنته اللعينة القديمة وهي قتل أبناء بني إسرائيل ، واستحياء نسائهم ؛ قهرا لهم وإذلالا ، وأمام هذا الطغيان الرهيب لم يكن من موسى إلا أن أمر قومه - وهم المستضعفون - بالاستعانة بالله والصبر . وهكذا تمر لحظات صعبة على أهل الله ، ليس أمامهم إلا هذا . ووعدهم موسى بالعاقبة وأن الدار ستصير لهم ولكنهم - وهم من هم في اللجاج والمخالفة - قالوا شاكين متذمرين أن هذا الأذى قد نزل بهم من قبل مجىء موسى ومن بعد ، فقال منبها لهم عن حالهم الحاضر وما يصيرون إليه من مآلهم عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وهذا تحضيض لهم على الصبر وحسن الرجاء ، وعلى العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم ، وبدأت العقوبات تتوالى على فرعون وقومه انتصارا لموسى وقومه ، وعظة لفرعون وقومه ، وتلك سنة الله التي رأيناها من قبل ، أن يأخذ بالبأساء والضراء ابتداء من لم يؤمن برسله ، وهكذا فعل بفرعون وقومه ، ابتلاهم بالجوع والقحط ، فلا ثمر ولا زرع ؛ من